ثقافة القاص الحديث

عندما تغيرت كتابة القصة وتطورت عن أشكالها القديمة، لم يكن التغيير والتحول نتيجة المتغير الاجتماعي والتقنية الحديثة، وتطوير القالب الفني، والتبدلات الجوهرية في طرائق السرد فقط، إنما كانت في  تنوع الفضاءات والأمكنة، وفي تعدد  الرواة لاحتواء المؤلف، واختبائه وراء القارئ، ومعالجة قضايا تنطلق من حدث بسيط لتلقي الضوء على حركة اجتماعية واسعة، وإعادة تركيب شذرات الواقع عبر الخيال المادي للأشياء، وحقيقة الأشياء ليس في واقعيتها، إنما في ما تضمره من مجهول، فالحدث لا يعطي نفسه من الرؤية المباشرة  من دون أن يصحبها بحث في أبعاده ومرجعياته، وثمة طاقة لغوية للكشف عن الخيال المادي للأشياء، كي تحتل الأشياء وجودها في السياق وبتنظيم جمالي يؤكد حضورها، كل هذه المتغيرات، وهذه الحدوس، وهذه القفزات، تتطلب قاصًا مثقفًا مسلحًا ثقافة استثنائية،  قاصًا قد قرأ الفلسفة وفهم السياق الذي ينظم المدينة والسوق، المدينة والاقتصاد، المدينة والتنظيم، المدينة والحرية، المدينة والخيال، المدينة واللغة، قاص يتأمل الأسئلة كثيرًا، فالوعي إلى درجة المشاكلة مع قناعاته أصبح هو الطريق لرؤية أعمق لما يجري. هكذا يجب أن تكون رؤيتنا للواقع من أنه ليس وحده مخزنا ومنتجا للقصص، وليس هو من يشير إلينا بتدوين ما حدث، قبل أن نقول نحن كيف حدث. هذه بعض المفارقات بين قصة الأمس وقصة اليوم، وعمومًا لم تؤسس الطرق القديمة للقص إلا ممرات معبدة بالتجربة ولكنها ممرات متغيرة في بحار الوقائع والحياة اليومية. وعلى الرغم من أن الخمسينيات والستينيات هي من علمت هذه الممرات فنياً ومدتها بطاقة التأمل لأن تستمر للمرحلة الحالية، إلا أن ما يلاحظ على كتاب القصة بالأمس، أن الكلمة في القصة هي المعادل الفكري للأشياء، وأن الجملة فيها هي حاصل معاني الكلمات، وأن كتابة القصة تتم بيدين: يد على الورقة وأخرى على الذاكرة، ويغيب في كل الحالات الرصد الحقيقي لحركة الواقع، فتأتي القصة مختلة التوازن، متأرجحة وغير قادرة لأن تقف على قدميها طويلا. إن المراجعة النقدية التي يشتغل عليها القاص محمد خضير مثلا، هي جزئيات لاترقى بمجملها لصناعة تيار قصصي متميز، تبقى في كل الأحوال انتباهة عالية المسؤولية يمكن تطويرها عندما تخضع لمختبر نقدي، وما قراءة القاص لها إلا تنبيه لقدرات تلك الشذرات على أن تكون تيارا يتواصل مع الجديد.اليوم ما عاد المؤلف وحده من يكتب القصة ولا كلماتها ولا حتى اختيار وانتقاء شخصياتها، وما عاد المؤلف مصدرا أساسيا للقصة، فالفرد المتطور هو الملائم لجملة من الأعمال، ومع ذلك تكتب القصص بشخصيات الرجل الصغير التي كانت تمثل نقلة في الواقعية النقدية. هذه المفارقة مصدرها أن القاص هو من يكتب. بينما الكلمات هي التي تنكتب، القصة الحديثة متاهة لمدينة، والقاص أداة لمواجهة أي تغيير، كل جزئية في المتاهة لها ما تعلّمه، فلا تقرأ المتاهة من أولها وصولًا لنهايتها، ولا من نهايتها وصولًا لأولها، القراءة دوران في فضاءاتها، وبحث عن منافذها المختبئة في شقوقها، ترى من يكتب قصة المدينة المرآة؟ هل تكتبها فضاءاتها، هل يكتبها مدونوها، الناسخون العاملون في شوارعها، المنصتون لصخبها، الباحثون في مهملاتها، من؟ القصة وجود، والأمكنة أثر، والكتابة مغشية بالدخان. ويبقى القاص معولا في الطريق.

عن جاسب الحمداني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*